عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

81

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

قال : فأطرق ساعة ثم قال : خذ عروق الفقر مع ورق الصبر ، مع إهليلج التواضع ، ثم ألق الجملة في ظرف اليقين ، واجعل عليه ماء الخشية والحياء ، وأوقد تحته نار الحزن والشجى ، ثم صفه بمنخل المراقبة في جام الرضا ، وامزجه بشراب التوكل ، وتناوله بكف الصدق ، واشربه بكأس الاستغفار ، وتمضمض بعده بماء الورع ، واجعل حميتك في ترك الحرص والطمع ، فإنك إن فعلت هذا رجوت لك الشفاء إن شاء اللّه تعالى . وأنشدوا : قل للطبيب إذا ما جئت تسأله * هل في علومك ما يشفى من الكمد إني مرضت بأوزاري وفجعتها * وليس بي ألم أشكوه في جسدي ( الحكاية الثامنة والأربعون عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ) قيل : مر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه في بعض شوارع البصرة ، فإذا هو بحلقة كبيرة والناس حولها يمدون إليها الأعناق ويشخصون إليها بالأحداق ، فمضى إليهم لينظر ما سبب اجتماعهم ؟ فإذا فيهم شاب حسن الشباب ، نقى الثياب ، عليه هيبة الوقار وسكينة الأخيار ، وهو جالس على كرسي والناس يأتونه بقوارير من الماء ، وهو ينظر في دليل المرضى ، ويصف لكل واحد منهم ما يوافقه من أنواع الدواء ، فتقدم إليه وقال : السلام عليك أيها الطبيب ورحمة اللّه وبركاته ، هل عندك شئ من أدوية الذنوب ، فقد أعيا الناس داؤها يرحمك اللّه ؟ فأطرق الطبيب برأسه إلى الأرض ، ولم يتكلم ، فناداه ثانية كذلك فلم يتكلم ، فناداه ثالثة كذلك ، فرفع الطبيب رأسه بعد ما رد السلام ، فقال : أو تعرف أدوية الذنوب بارك اللّه فيك ؟ قال نعم ، قال صف وباللّه التوفيق ، قال : تعمد إلى بستان الإيمان ، فتأخذ منه عروق النية ، وحب الندامة ، وورق التدبر ، وبزر لورع وثمر الفقه ، وأغصان اليقين ، ولب الإخلاص ، وقشور الاجتهاد ، وعروق التوكل ، وأكمام الاعتبار ، وسيقان الإنابة ، وترياق التواضع ، تأخذ هذه الأدوية بقلب حاضر ، وفهم وافر ، بأنامل التصديق ، وكف التوفيق ، ثم تضعها في طبق التحقيق ، ثم تغسلها بماء الدموع ، ثم تضعها في قدر الرجاء ، ثم توقد عليها بنار الشوق ، حتى ترغى زبد الحكمة ، ثم تفرغها في صحاف الرضا ، وتروح عليها بمراوح الاستغفار ، وينعقد لك من ذلك شربة